|
قضية أثارت الرأى العام
العالمى
قضية الممرضتين البريطانتين المتهمتين بقتل
ممرضة استرالية
في نهاية عام 1996م ، وقعت جريمة
قتل ممرضة استرالية بمجمع ……
الطبي بالمنطقة الشرقية للملكة العربية السعودية حيث وجدت مقتولة في
غرفتها بسكن الممرضات بذلك المجمع .
و قامت السلطات بالتحريات اللازمة التي أسفرت عن توافر الشبهات ضد
إثنتين من الممرضات البريطانيات العاملات بنفس المستشفى الذي تعمل فيه
القتيلة .
وخلال التحقيق معهما أمكن للشرطة الحصول على
إعترافين منهما
بارتكابهما جريمة قتل زميلتيهما إثر مشادة كلامية بينهما في وقت متأخر من
الليلة التي وقعت فيها الجريمة ، و صُدِّق
الإعترافان شرعاً من القاضي
المختص بالمنطقة .
و قبل بدء المحاكمة
سعت الحكومة الإنجليزية ممثلة في السفارة
البريطانية بالسعودية على تعيين فريق محامين للدفاع عن هاتين الممرضتين ،
خاصة و أنهما أنكرتا اقترافهما لهذا الجرم وصرحتا بأن الاعترافين قد
أخذا منهما بالخداع والإكراه على حد قولهما (ترغيب و ترهيب).
فاتجهت أنظار المسئولين البريطانيين إلى مكتب الحجيلان للمحاماة
بالمملكة الذي كان يضم محامين على أعلى المستويات من جنسيات مختلفة ، وتم
ترشيحي (الدكتور خضر) ضمن فريق المحامين عن هاتين المتهمتين ، و صدرت
الوكالات الشرعية عنهما مشتملة على
إسمى ضمن أسماء ذلك الفريق .
و كم ترددت نفسياً لقبول هذه المهمة ، ثم
قبلتها عندما وجدت أنه
لم تقدم في القضية - خلال الجلسات - أية أدلة ضد
المتهمتين
سوى الإعترافين
الموصوفين آنفا.
بدأت الجلسات بالمحكمة المختصة بمدينة الخبر و استمرت حتى بلغت (8)
جلسات، وكانت الجلسات غير علنية للجمهور ،حيث كان يسمح فقط بالحضور
للفريقين من المحامين ( عن المتهمتين ) وعن ( المجني عليها ) ، و لنائب
السفير البريطاني والقنصل العام ،والقنصل العام الأسترالى ، والممرضتين
المتهمتين ، و المترجم المعين من قبل المحكمة و
الحرس. وكانت المحكمة الشرعية الكبرى بالخُبر مُشكّلة
من رئيس وعضوين.
ولم يكن بالإمكان توقع ما ستفاجئنا به المحكمة في كل جلسة ،ولم يحضر
المدعي العام ولم يعرض تقريره ، و إنما ترك الأمر كله للمحكمة ، حيث ركز
رئيسها على توجيه الطرفين للصلح مؤكداً أن توجيهه هذا لا
يفيد التوجه من جانب المحكمة إلى الإدانة أو عدم الإدانة ، و إنما
أختصاراً
للإجراءات ووضع حد لها ، و لكن فريق المحامين الممثل
لورثة
المجني عليها أصر
على الرفض لأكثر من مرة ، فاضطر القاضي (الرئيس ) إلى
الإنتقال لاستعراض
محتوى الإعترافين .
و لأنها المرة الأولى التي يقف فيها محامون و بهذا العدد على هذا
النحو أمام القضاء السعودي الشرعي وفي جريمة قتل ، فقد أحدث ذلك صدى
قوياً لدي الرأي العام الداخلي والخارجي معاً ، فكان
الإهتمام البالغ من وسائل الإعلام .
وتقدمنا خلال الجلسات بمرافعات شرعية و مذكرات مكتوبة ، وتضمنت الجلسات
والمذكرات جهوداً شرعية جنائية كبيرة و صوراً كثيرة من الفن القانوني ،
خاصة و أن ما ورد في تقرير الطبيب الشرعي كان جديراً بالدراسة و الوقوف
عنده لأهميته في تحديد المركز القانوني للمتهمة الثانية
خاصة ، التي استخدمت
الوسادة - كما جاء في اعترافها الذي سحبته مع بداية الجلسات كزميلتها -
لكتم صوت المجني عليها حال قيام المتهمة الأولى بطعنها بالسكين .. فقد
خلا تقرير الطبيب الشرعي من إثبات أى آثار لهذا الكتم (أو الخنق) بل ومن
التعليق عليه ، و قال فقط أن القتل حدث من الطعن بالسكين الذي بلغ (إحدى
وعشرين) طعنة ، وهو ما رتبنا عليه آثاراً جوهرية
لنقل المتهمة الثانية
من نطاق أحكام القصاص إلى نطاق أحكام التعزير ، أو فى صياغة أخرى من
دائرة القتل العمد إلى دائرة الشروع فى قتل ، على أساس أن الوسادة قد أتت
على جثة هامدة ، و هو ما يعرف في الفقه الجنائي بالجريمة المستحيلة التي
اختلفت الآراء في العقاب عنها، و اتجه بعضها إلى ضرورة العقاب لتوافر
الخطورة لدي مرتكبها الذي قصد القتل أو الإسهام فيه ، و لكنه لم
يقم
بفعله لأسباب لا دخل لإرادته فيها.
(
وكان مؤلفنا عن الجريمة من المراجع الرئيسية التى أحلنا المحكمة إليها فى
هذه الجزئية وتفصيلها فى الفقه الجنائى الإسلامى ).
وبالفعل فقد أصدر القاضي حكمه على المتهمة الثانية
وحدها ( دون الأولى ) بعد ثمان جلسات، بعقابها تعزيراً بالسجن لمدة (8)
ثمان سنوات و بالجلد ( 500 ) خمسمائة جلدة متفرقة ، وكان لهذا الحكم
الابتدائي وقعه الشديد على البريطانيين حيث ظهر رد فعل
غاضب و تعليقات فى وسائل الإعلام البريطانية المختلفة .
ولم تزودنا المحكمة بصك الحكم لمعرفة أسبابه ، كما لم تزودنا بأي
سبب أو بيان عن عدم إصدار حكم ضد المتهمة الأولى ، فبادرنا إلى الاعتراض
على ذلك الحكم الابتدائي(خلال
مدة الاعتراض المحدودة) برغم عدم إطلاعنا على أسبابه .
و في هذه المرحلة كانت التحركات نشطة من جانب السلطات البريطانية و
من جانب محاميى الدفاع و
أهل المتهمتين من أجل التوصل إلى تسوية مع أسرة
القتيلة ، ووصل مبلغ التعويض المطلوب للصلح إلى رقم ضخم هو
-
كما علمنا - ( 1.2مليون
دولار أمريكي) تم تجميعه وسداده إلى أسرة المجني عليها ،وتم الحصول على
تنازلها
الذى قدم إلى المحكمة التي أشرت بذلك لديها و أنهت القضية من حيث
الحق الخاص ، ولم يبق إلاّ الحق العام ( حق الدولة ) الذي يجوز التنازل
عنه من جانب ولى الأمر .
و انتهت القضية تماماً و أفرج عن الممرضتين و تم ترحيلهما بعد
الموافقة على إعفائهما من الحق العام.
|