|
أثر التظاهر بقبول الرشوة للإيقاع بالجاني
للدكتور: عبد الفتاح خضر
الرشوة جريمة تعزيرية عقوبتها السجن أو الغرامة أو بهما معا ،فضلا عن
عقوبات تبعية تطبق بقوة القانون بمجرد ثبوت الإدانة ،كالفصل من الخدمة
الحكومية و الحرمان المؤقت من العودة إليها ؛ وعقوبات تكميلية ينص
عليها الحكم فضلا عن العقوبة الأصلية ، كمصادرة المال أو الميزة موضوع
الجريمة ويشترط لتوقيع العقوبات المشار إليها أن تثبت الإدانة إليه
ماديا ومعنويا .ولكي تثبت الإدانة من الزاوية المادية ، يتعين علي
المحقق ومن ثم القاضي أن يتأكد من ارتكاب جريمة الرشوة بإحدى صور
السلوك الإجرامي المحدد قانونا لارتكابها .،فصور السلوك الإجرامي في
الرشوة هي (الطلب أو القبول أو الأخذ).
وقد يحدث أن يكون الموظف نزيها ،ويرفض تماما أن يتقاضى رشوة للقيام
بواجباته الوظيفية أو للإخلال بأي منها ، ثم يفاجأ بمن يعرض علية رشوة
،فيهديه تفكيره ألي أن يتظاهر بقبولها حتى يقوم الراشي بتقديمها فيفضح
أمره ويبلغ عنه ،فالقبول هنا إنما كان من أجل الإيقاع بالراشي . فهل
يعفي الموظف تماما من المسئولية والعقاب ؟ وهل للموظفين أن يتظاهروا
هكذا بقبول الرشوة من أجل الإيقاع بالراشين؟
كما قد يحدث أن يبلغ الموظف السلطات المختصة عن أشخاص يعرضون عليه
رشوة ويلحون عليه في قبولها للقيام بعمل ما ،من أعمال وظيفية أو
الامتناع عن عمل ما ، فتطلب منه السلطات الانتظار حتى يأتي إليه الراشي
، فإذا قدم له رشوة قبلها ،وذلك كله في نطاق كمين تعده سلطات الأمن
لهذا الغرض لضبط الجاني متلبسا بجريمته .كما قد تطلب منه السلطات ،أن
يسعى هو ألي من عرض عليه الرشوة من قبل ورفضها ،للتظاهر بقبولها ودعوته
لتقديمها ، في الوقت الذي تكون أجهزة الأمن فيه مستعدة لضبطه متلبسا
بتقديمها.
وقد تحدث الصورة العكسية التي يكون فيها التظاهر بالقبول من جانب صاحب
الحاجة استجابة لطلب الموظف العام، فيكون التظاهر بالقبول هنا من أجل
ضبط الموظف متلبسا بأخذها.
فهل تقع الجريمة كاملة في كل صور التظاهر السابقة ؟
أولا: تظاهر الموظف بالقبول من تلقاء نفسه :
لا يعفي الموظف العام من المسؤولية الجنائية ،إذا أدعي بعد كشف الجريمة
أنه كان قد تظاهر بقبول الرشوة من أجل الإيقاع بالراشي ،وبأنه كان علي
وشك إبلاغ السلطات ،فالقول بإعفائه في هذه الحالة من شأنه أن يفتح
الباب علي مصراعيه، لكل موظف يريد أن يرتشي أن يتم جريمته ،فان لم
يكتشف كان بها وقد حقق مراده ،و أن أكتشف أمره بادر ألي الادعاء بان
قبوله لم يكن صحيحا ، و إنما كان ظاهريا للإيقاع بالراشي إذ ليس من
شأنه هو أن يوقع بالناس ويهيئ للسلطات حالات التلبس. ومع ذلك فان
التظاهر بالقبول يكون له أثره في عدم قيام مسؤولية الموظف ،إذا هو قد
أثبت بالقطع حسن نيته ، وأبلغ السلطات سلفا بعزمه علي التظاهر بالقبول
، لقطع دابر جريمة الرشوة ،بمعاونة السلطات علي ضبط الجاني متلبسا
بجريمته.
ثانيا : تحريض السلطات للموظف للتظاهر بالقبول :
التحريض علي ارتكاب جريمة ،وسيلة من وسائل الاشتراك المعاقب عليه
جنائيا ، إذا وقعت الجريمة بناء علي هذا التحريض . ومن المتصور هنا أن
تحث السلطات الموظف علي تحريض الراشي لتقديم الرشوة عن طريق تظاهره
بقبولها. وكل ذلك من أجل ضبطه متلبسا بتقديمها . فهنا يوصف التحريض
بأنه (صوري) . فهل يسأل المحرض الصوري إذا وقعت الجريمة بناء علي هذا
التحريض ؟
اختلفت آراء الفقهاء في هذا الشأن:
فذهب البعض ألي أن المحرض الصوري هنا لا يعاقب لانتفاء القصد الجنائي
لديه ، ولأن أرادته لم تتجه ألي تحقيق نتيجة إجرامية . كما ذهب البعض
الأخر ألي أن المحرض الصوري هنا يعاقب ، لأنه ليس من شأن الموظف ، ولا
من مهمة رجال السلطة تسهيل ارتكاب الجريمة ،لا مكان ضبط الجاني متلبسا
بها.ونري أنه يجب في هذه الحالة ،ترك الأمر لقاضي الموضوع، الذي يبحث
بدقه في مدي أثر دور المحرض الصوري في وقوع الجريمة ،فإذا كان ذلك
التحريض الصوري هو الذي دفع الجاني دفعا ألي تقديم الرشوة ،ولولاه لما
وقعت الجريمة، فان جميع الإجراءات التي تمت لضبط الجاني تكون باطلة
قانونا ،ولا يمكن معاقبة الجاني إلا إذا توافرت في حقه أدله أخري علي
الإدانة غير الأدلة الباطلة المترتبة علي التحريض الصوري.
وقد أشارت بعض الأحكام القضائية ألي هذا المعني بقولها : أن مهمة
سلطات الشرطة هي الكشف عن الجرائم والتوصل ألي مرتكبيها لمعاقبتهم، وكل
إجراء تقوم به في هذه السبل يعد صحيحا ، ماداموا لم يدخلوا في خلق
الجريمة بطرق الغش أو الخداع أو التحريض علي اقترافها . وعلي ذلك فإذا
ارتكبت الجريمة بناء علي تحريض رجال
الشرطة ،وكانت الإجراءات المؤدية ألي ضبطها باطلة .(نقض مصري
14/2/1967، س 18 رقم 41 ،ص 209، 16/6/1953 ،س 4 رقم 353 ص 988 ).
وفي المملكة العربية السعودية ، لا تتدخل السلطات إلا بعد بدء الجاني
في تنفيذ مشروعه الإجرامي ، حيث يلجأ الموظف الذي عرضت عليه الرشوة ،
أو صاحب الحاجة الذي طلب منه دفع رشوة علي حسب الأحوال ). ألي السلطات
المختصة، التي ترتب له الخطة الأزمة لضبط الجاني متلبسا . وفي هذه
الحالة ، لا يكون ثمة شك في القبول الظاهري ، حيث لا وجود للتحريض
الصوري أو غيرة ،ومن ثم تكون جميع إجراءات الضبط صحيحه نظاما
التالى
>> |